دولي

“هروبٌ أو مؤامرة؟”… رواياتٌ إيرانية “متناقضة” لسقوط النظام

أعلن عن هروب رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في فجر الثامن من الشهر الجاري، وذلك إثر تقدم قوات فصائل المعارضة السورية التي نجحت في السيطرة على العاصمة دمشق، بعد أن كانت قد أحرزت انتصارات استراتيجية في محافظات حلب وحماة وحمص ومناطق أخرى. هذا الهروب شكل نقطة تحول حاسمة في مسار الأزمة السورية، حيث انهار نظام الأسد بشكل مفاجئ بعد سنوات من الصراع الدموي مع المعارضة.

منذ اللحظة التي أعلن فيها عن سقوط النظام، تعددت الروايات حول الأسباب التي أدت إلى هذا الحدث التاريخي، وكان الإعلام العربي والدولي محط اهتمام في تفسير وتوضيح الأحداث. وقد تبنت روسيا حليفة النظام الأسد رواية محددة حول هروب الأخير. في بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية الروسية في نفس يوم إعلان سقوطه، أشارت إلى أن الأسد “تخلى عن منصبه” بعد مفاوضات مع عدة “أطراف النزاع”، مؤكدة أن الأسد أقر بنقل السلطة سلمياً ثم فرّ من البلاد.

لكن الرواية الروسية لم تذكر مفاوضات مع المعارضة السورية ولم تشير إلى ما وصفته الخارجية الروسية بتخلي الأسد عن السلطة. بل أكدت أن الأسد هرب إلى القاعدة العسكرية الروسية في “جبلة” في اللاذقية، حيث لم يُطرح موضوع التنحي أو اللجوء، كما لم يُناقش من قبل أي طرف آخر.

في المقابل، كانت الرواية الإيرانية أكثر تعقيداً وتناقضاً. إيران، التي لعبت دوراً أساسياً في دعم الأسد، قدمت تفسيرات متضاربة حول سقوطه. البداية كانت بإشادة الموقف الرسمي الإيراني، حيث وصف حسين أكبري، سفير إيران لدى النظام السوري السابق، القرار السوري بعدم خوض القتال بـ “الحكمة”، مؤكداً أن النظام اتخذ قراراً صائباً بعدم التصعيد العسكري. ولكن هذه الرواية سرعان ما تغيرت.

في اليوم التالي، نقلت وكالة “مهر” الإيرانية شبه الرسمية عن تفسير جديد، حيث وصفت ما جرى بـ “خداع”. وذكرت الوكالة أن الأسد بدأ يبتعد عن إيران تدريجياً بسبب وعود بتحسن الوضع الاقتصادي، وادعى التقرير أن الأسد بدأ يتجه نحو الولايات المتحدة، ليأتي سقوطه بسبب “الوعود الفارغة” التي لم تتحقق.

وتعليقاً على السقوط، قالت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، في العاشر من الشهر الجاري، إن السبب الرئيسي للسقوط كان “عجز الجيش السوري عن إيقاف التنظيمات المسلحة”، وهو تفسير جديد يضاف إلى قائمة الروايات المتناقضة.

أما في الحادي عشر من الشهر الجاري، خرج مرشد إيران، علي خامنئي، بتفسير مختلف، حيث اعتبر أن “الغفلة” عن العدو هي السبب في سقوط الأسد، مشيراً إلى أن الاستخبارات الإيرانية كانت قد أرسلت تحذيرات إلى دمشق حول تحركات المعارضة. وقد دعت كلماته إلى “استلهام الدروس” من هذه التجربة.

في الثالث عشر من الشهر الجاري، نقلت قناة “العالم” الإيرانية تصريحات من أحمد خاتمي، خطيب صلاة الجمعة في طهران، الذي أكد أن الوضع في سوريا كان “نتيجة مؤامرة ومخطط صهيو-أميركي”. هذه التصريحات جاءت بعد أن انتقدت إيران نفسها التقارب المفترض بين الأسد والولايات المتحدة.

وفي تطور لافت، صرح عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، في السابع عشر من الشهر الجاري، بأن “السقوط السريع” للأسد كان نتيجة لرفضه التفاوض مع المعارضة، وعدم إظهار مرونة تجاه المبادرات الدولية التي كانت تهدف إلى إشراك المعارضة في السلطة.

ما يلاحظ أن هذا التضارب في الروايات الإيرانية حول سقوط الأسد يسلط الضوء على أزمة حقيقية في سياسة إيران الإقليمية، حيث يبدو أن سقوط الأسد لم يكن مجرد انهيار نظام سياسي، بل كان نهاية لتأثير إيران في المنطقة. ففي ظل هذه الفوضى، بدأت طهران بسحب عناصرها وميليشياتها فور فرار الأسد، ما يفسر تناقض الروايات الإيرانية التي تحاول تبرير هذا الفشل الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى